الشيخ عبد الغني النابلسي
152
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص
المرسلين أو الأنبياء والمؤمنين ، ولا يراه أحد من المرسلين أو الأنبياء في زمن وجودهم إلا من مشكاة خاتم ولايتهم ، فكذلك لا يراه أحد من أولياء المؤمنين إلى يوم القيامة إلا من مشكاة خاتم ولايتهم . ( فذلك ) ، أي كون خاتم الأولياء من المرسلين أو الأنبياء أو المؤمنين تابعا لخاتم الرسل في التشريع ( لا يقدح في مقامه ) الذي هو ختم الولاية ، فإنه مقام عال بالنسبة إلى من لم يكن خاتما من نوعه ذلك لحصوله على ذلك العلم بطريق الأصالة وغيره بالتبعية له ( ولا يناقض ما ذهبنا إليه ) من كون من لم يكن خاتما لا يرى ذلك إلا من مشكاة الخاتم بطريق التبعية له في ذوقه ذلك ( فإنه ) ، أي خاتم الأولياء المذكور ( من وجه يكون أنزل ) ، أي أدنى منزلة ممن تابعه ( كما أنه ) ، أي خاتم الولاية ( من وجه ) آخر ( يكون أعلى ) من غيره . ( وقد ظهر في ظاهر شرعنا ) هذا ( ما يؤيد ما ذهبنا إليه ) من كون خاتم الولاية أنزل من غيره من وجه وأعلى من غيره من وجه آخر . وذلك ما ورد ( في فضل عمر ) بن الخطاب رضي اللّه عنه ( في ) قضية ( أسارى بدر ) لما اختار النبي عليه السلام وأبو بكر رضي اللّه عنه افتداهم بالمال معونة للإسلام ، واختار عمر رضي اللّه عنه ( بالحكم فيهم ) بأن يسلموا أو يقتلوا ، فأنزل اللّه الوحي على النبي عليه السلام طبق ما اختاره عمر رضي اللّه عنه حيث قال تعالى : ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ 67 لَوْ لا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ( 68 ) [ الأنفال : 67 - 68 ] ، حتى قال النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « لو نزل العذاب ما سلم منه إلا عمر » « 1 » . ( و ) كذلك ( في ) قضية ( تأبير ) ، أي تلقيح ( النخل ) لما قال النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « لو تركوها لصلحت » . فتركوها فلم تثمر في ذلك العام ، فسألوا النبي عليه السلام عن ذلك فقال : « أنتم أعلم بأمر دنياكم » « 2 » . وسبب ذلك أنهم تركوها لتصلح فما تركوها في حقيقة الأمر « 3 » ففسدت . ( فما يلزم ) الإنسان ( الكامل أن يكون له التقدم ) على غيره ( في كل شيء ) من أنواع الكمال ( وفي كل مرتبة ) من مراتبه ( وإنما نظر الرجال ) الكاملين دائما ( إلى )
--> ( 1 ) أورده المناوي في الفتح السماوي ، برقم 545 وعزاه إلى ابن جرير عن ابن إسحاق بلفظ : « لو نزل من السماء عذاب لما نجا منه غير عمر بن الخطاب وسعد بن معاذ » [ 2 / 661 ] . ( 2 ) رواه مسلم في صحيحه ، باب وجوب امتثال ما قاله شرعا . . ، حديث رقم ( 2363 ) . ( 3 ) [ من حيث توكلهم واعتمادهم على اللّه تعالى لا على الأسباب التي كانت قلوبهم متعلقة بها ] .